عبد الملك الجويني

202

الشامل في أصول الدين

وقد حرر المعتزلة دلالة أسندوها إلى حكم القدرة ، وسلكوا فيها منهجا آخر . وذلك أنهم قالوا : لو أثبتنا قديمين ، لزم أن يكون كل واحد منهما قادرا لنفسه ، ومن حكم الوصف الثابت للنفس ، إذا كان متعلقا ، أن يعم في تعلقه . فيلزم من ذلك أن يكون كل واحد منهما قادرا على جميع المقدورات ، ولو أراد مرادا واحدا ، وجب ثبوت ذلك المراد بينهما ، وهذا إثبات مقدور بين قادرين ، وهو مستحيل . ففرضوا الدلالة على الاتفاق في الإرادة . وهذا الذي ذكروه غير سديد على أصلهم ، فإنهم لا يصح منهم منع مقدور بين قادرين على ما أشرنا إليه . وسنبسط القول فيه في أحكام القدر إن شاء اللّه . ثم نقول : أنّى يستقيم ذلك فيكم مع مصيركم إلى أن مقدور العباد ليس بمقدور للّه من حيث اختص العباد بالاقتدار على مقدوراتهم ، فكيف يستقيم ذلك ممن يدعي لزوم عموم التعلق في الصفة الراجعة إلى الذات ؟ فبطل ما قالوه من كل وجه . ويصدهم عن ذلك نفيهم القدرة مع استحالة حكم القدرة دون القدرة . ونطرد هذه الدلالة على أصول أهل الحق على أحسن وجه ، وذلك أنا لو قدرنا اتفاق القديمين في الإرادة ، للزم منه أن يريد أحدهما تحريك جسم ، ويريد الثاني عين مراد الآخر ، ويقصد كل واحد منهما إيجاد مقدوره ، فيفضي ذلك إلى امتناع مقدوره أو وقوعه عن قدرتيهما ، ويؤدي ذلك إلى وقوع خلق من خالقين . فإن قال قائل : كيف يصح لكم ذلك ، مع تجويزكم مقدورا بين قادرين ؟ قلنا : إنما جوزنا كون المقدور بين قادرين من وجهين مختلفين . فأما أن نجوز وقوع خلق من خالقين ، فلا . وإيضاح القول فيه أن الوجه الواقع بقدرة اللّه في مقدور العباد ، لا يقع بقدرة العبد . والوجه الواقع بقدرة العبد ، وهو الكسب ، لا يقع بقدرة الرب ، فما تعلقت القدرتان بوجه واحد ، وكأنهما على التقدير متعلقان بمقدورين ، وليس كذلك الخلق . فإن قيل : فما دليلكم على منع خلق من خالقين ؟ قلنا : هذا مما سنستقصي ذكره في كتاب « القدر » إن شاء اللّه . والذي يقع به الاستقلال هاهنا أن نقول : لو قدر خلق بين خالقين ؛ فلا يخلو كل واحد منهما أن يكون بحيث لو انفرد ، تصور منه إيجاد المقدور ، أو كان بحيث لو انفرد ، لم يتصور منه إيجاد المقدور . فإن كان كل واحد منهما بحيث لو انفرد تصور منه إيجاد المقدور ، فأثر قدرته عند تقدير الاجتماع ، كأثر قدرته عند تقدير الانفراد . ثم القدرة عند تقدير الانفراد تؤثر في إيجاد الذات فلتؤثر عند الاجتماع ، وإذا أثرت عند الاجتماع ، نفت